أبي الفرج الأصفهاني

128

الأغاني

كان كبر عجيزتها مثار العجب : زرت مع مولاتي خالتها عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ وصيفة [ 1 ] ، فرأيت عجيزتها من خلفها وهي جالسة كأنها غيرها ، فوضعت أصبعي عليها لأعلم ما هي ، فلمّا وجدت مسّ أصبعي قالت : ما هذا ؟ قلت : جعلت فداءك ! لم أدر ما هو ، فجئت لأنظر . فضحكت وقالت : ما أكثر من يعجب مما عجبت منه . إعجاب أبي هريرة بجمالها : وزعم بكر بن عبد اللَّه بن عاصم مولى عرينة عن أبيه عن جدّه : أنّ عائشة نازعت زوجها إلى أبي هريرة ، فوقع خمارها عن وجهها ، فقال أبو هريرة : سبحان اللَّه ! ما أحسن ما غذّاك أهلك ! لكأنما خرجت من الجنّة . وفدت على هشام فأعجب سامروه بعلمها : قال ابن عائشة وحدّثني أبي أنّ عائشة بنت طلحة وفدت على هشام ، فقال لها : ما أوفدك ؟ قالت : حبست السماء المطر ، ومنع السلطان الحقّ . قال : فإني أبلّ رحمك وأعرف حقّك ، ثم بعث إلى مشايخ بني أميّة فقال : إنّ عائشة عندي ، فاسمروا عندي الليلة فحضروا ، فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وأيّامها / إلا أفاضت معهم فيه ، وما طلع نجم ولا غار إلا سمّته . فقال لها هشام : أمّا الأوّل فلا أنكره ، وأمّا النجوم فمن أين لك ؟ قالت : أخذتها عن خالتي عائشة . فأمر لها بمائة ألف درهم وردّها إلى المدينة . مر بها النميري الشاعر فاستنشدته وخبره معها : أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن المغيرة بن محمد [ 2 ] المهلَّبيّ عن محمد بن عبد الوهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه قال / حدّثني ابن عمران البزّازيّ قال : لمّا تأيّمت عائشة بنت طلحة كانت تقيم بمكة سنة ، وبالمدينة سنة ، تخرج إلى مال لها بالطائف عظيم وقصر لها فتنزّه وتجلس فيه بالعشيّات ، فتناضل بين الرّماة . فمرّ بها النّميريّ الشاعر ، فسألت عنه فنسب لها ، فقالت : ائتوني به . فقالت له لمّا أتوها به : أنشدني ممّا قلت في زينب [ 3 ] . فامتنع وقال : ابنة عمّي وقد صارت عظاما بالية . قالت : أقسمت لمّا فعلت . فأنشدها قوله : نزلن بفخّ ثم رحن عشيّة يلبّين للرحمن معتمرات [ 4 ] يخبّئن أطراف الأكفّ من التّقى ويخرجن شطر الليل معتجرات [ 5 ] ولمّا رأت ركب النميريّ أعرضت وكنّ من أن يلقينه حذرات

--> [ 1 ] أي جارية شابة . [ 2 ] في « الأصول » : « عن المغيرة عن محمد المهلبي » وهو تحريف . والمغيرة بن محمد المهلبي ذكر كثيرا في « الأغاني » . [ 3 ] هي زينب بنت يوسف أخت الحجاج بن يوسف الثقفي . [ 4 ] فخ : واد بمكة . وفيه يقول بلال يحن إليه : ألا ليت شعري هلى أبيتن ليلة بفخ وعندي إذخر وجليل والاعتمار : القصد والزيارة ، وهو في الشرع : زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة معروفة في كتب الفقه . [ 5 ] الاعتجار : ليّ الثوب على الرأس من غير أن يدار تحت الحنك .